
حَقِيْقَةُ الدعَاءِ كَلَفْظ وَكَلِمَاتٍ
صحيح أنّ الله تعالى ينظر إلى نوايا البشر، ولا شك بأن العبرة الحقيقية في الأمور العبادية إنما هي ما استقر في القلب، ومما لا شك فيه أيضاً هو أنّ بعض العبادات لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق القول والفعل، بالإضافة إلى النية التي هي شرط في صحة العبادات الواجبة، وشرط في استحقاق الثواب على الأمور المستحبة.
فمَقولة: أن الله تعالى ربُّ نوايا: لا يمكن إطلاقها عامّةً وبدون قرائن أو شروط، ويجب قبل كل شيء أن تضعوا نصب أعينكم أن الواجبات منها ما يتقوّم بالنية فلا يصح بدونها، ومنها ما لا تكون النية شرطاً في تحققه، ولذا ينبغي تحليل العبادات إلى التالي:
أولاً:العبادات الواجبة المشروطة بنية القربة:
ونعني بالقربة هنا: قصد وجه الله تعالى: لأن المؤمن يسعى من وراء أعماله العبادية إلى كسب رضا الله تعالى، وهذا الرضا لا يُمكن أن يُكتسب إلا عن طريق النية والعمل معاً، قال تعالى في سورة الكهف(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) وفي سورة الأنعام(وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)
والنية: هي القصد القلبي للشيء: ولا يُشترط فيها اللفظ، بل يكفي فيها مجرد التصوّر والشعور، فإذا اشترطنا فيها اللفظ فقد خرجت عن كونها نية، بل لا يمكن أن نسميها بذلك حينئذ.
فالصلاة عبادة واجبة، وهي تتركب من شروط وأركان وأجزاء، ومن شروط صحتها النية، والقيام بأركانها وأجزائها تامة من دون أن ننقص من ذلك شيئاً حتى ولو كان بمقدار حرف أو حركة إعرابية.
والحج عبادة تجب فيها النية، ولا يصح إلا بها وبالشروط المجعولة لتحققه.
والصوم كذلك، إلا أن الصوم لا يتحقق بفعل شيء، وإنما يتحقق بترك أشياء، وهي المفطرات، وهذا فارق أساسي بين هذه الفريضة التَّركية، والفرائض الفعلية.
ومنهم مَن ذهب إلى أن العبادات هذه حتى الصوم لا تصح إلا بالفعل، وقد اعتبر بأن ترك المفطرات إنما هو فعلٌ، ولا أريد أن أعلِّق على هذا البحث هنا، ولا أريد أن أنفي وجود الفائدة فيه وإن كانت شبه معدومة، ولقد صادفنا كثيراً من الناس قد صرفوا أوقاتهم الثمينة وأموالهم العزيزة على أمور لا تضر ولا تنفع، أو تضر ولا تنفع، أو تنفع ولكن منفعتها غير معتبَرة، فهي مجرد مَضيعة للوقت وهدرٌ للأموال.
ثانياً:العبادات الواجبة التي تتحقق من غير نية:
قد يُطلِق بعض الناس عبارات على حين غَرّة من دون تأمل أو تأنٍّ أو تبصُّر، فيزرعون في أذهان البعض أفكاراً خاطئة حول بعض المسائل التي ربما ترتبط بالعقيدة في بعض الأحيان، كمن يشترط النية في كل عمل، ويضع لها حدوداً معيّنة وصيغاً محددة، فيُشعر الناس بأنهم لو خرجوا عن تلك الحدود بمقدار درجة لرفض الله أعمالهم وأكبّهم على منخريهم في النار، وهذا ما أعبّر عنه بالهرتقة والكلام الخالي من المنفعة، بل المشتمل على المَضرة.
قد يكون صاحب هذا القول مصيباً من جهة، ولكنه مخطئ من جهة ثانية وهو لا يشعر، أما لو تأمل ملياً وفكّر صحيحاً لوضع العبارات المناسبة النافعة التي يسقط بها الواجب عن كاهله.
وهذا ما يدفع بنا إلى التوضيح والتحليل وصياغة المعاني بألفاظ مناسبة ومتكررة في بعض الأحيان بهدف التأكيد والتذكير حتى لا نخرج من البحث إلا وقد أوصلنا الفكرة على طبقٍ من نور، وهذا ما يحتّم علينا وضع جدولٍ خاص لكل بحث متشعب كيلا يفوتنا من منفعته شيء، والوصول إلى النفع هو الغاية الأولى والأخيرة من خلال هذا العمل وغيره.
هناك عبادات تتحقق من دون نية، ولا أريد أن يتذاكى علينا أحد باللعب على الألفاظ فيجمع بين هذين النوعين من العبادات تحت عنوان المشروطة بنية فيدّعي بأن إخراج الزكاة لا يتحقق إلا بنية القربة.
هنا بحث دقيق للغاية، وهو أن مثل فرض الزكاة لا تتوقف صحته على نية القربة، وإن كانت النية شرطاً في كماله، فأصحاب هذه الإدعاءات خلطوا بين الأمرين: بين ما كانت النية شرطاً في صحته، وما كانت شرطاً في كماله واستحقاق المثوبة عليه.
فالخمس أو الزكاة فرضان واجبان، وهما من فروع الدين، ولا يُنكر ذلك أحد، وقد جعلهما الإسلام في عرض واحد مع الصلاة والصوم والحج، ولكن هناك فرق بينهما وبينهم من حيث التقوُّم وعدمه، فإن الزكاة تتقوم بإخراج الحق المعلوم سواء حصلت معه نية القربة أو دفعها الإنسان على كره.
ولم نجد فقيهاً يفتي ببطلان الخمس أو الزكاة إذا حصلا من دون نية القربة، أو يوجب دفعهما مرة ثانية إن حصلا من دونها.
ولو أننا غصنا قليلاً في أعماق جوهر العبادات لوجدنا بأن الله تعالى يثيب بعض الناس على أعمال صدرت منهم من دون نية القربة إليه، كمن يساعد إنساناً بداعي الشفقة فيعطيه أو يعينه أو يحمله أو يساعده بأي عمل إنساني آخر، وأنا شخصياً وبسبب معرفتي بكرم الله وجوده لا يمكن أن أنفي وجود الأجر في هذا العمل، لأن هذا الدافع لوحده حكمه حكم النية في بعض الأحيان، وخصوصاً إذا لم تُنوَ سهواً أو بسبب ظرف طارئ جعل اهتمام العامل ينصب كله نحو الحادثة التي شغلته عن النية، ومردّ هذه الأمور إلى الله تعالى الذي له أن يثيب أو يمنع أو يعاقب أو يعفو.
وإذا سألني أحد عن سبب هذا الكلام وطلب مني الدليل عليه فسوف أقول له:إقرأ صفات الله تعالى، وانظر إلى دعاء كميل ودعاء أبي حمزة الثمالي خصوصاً، وبعض الأدعية المشابهة لهما بالمعنى، وسوف تحصل على الدليل، ولن تحصل على الدليل إلا إذا نظرت إليهما بإمعان وتأمل وبعين البصيرة.
ثالثاً:الأعمال المستحبة مع نية وبدون النية:
إن الكلام عن الأعمال المستحبة يختلف بجوهره عن الكلام حول الأعمال الواجبة، لأن منشأهما مختلف، وإن كان الهدف واحداً، ولذا ينبغي أن تكون طريقة التعبير عن هذا النوع مختلفة عن التعبير عما سبق.
لقد قلنا إنّ العبادات الواجبة المشروطة بالنية لا يمكن أن تتحق إلا بها، فإن أتى بها المكلف من دونها لم تبرأ ذمته حتى يأتي بها مرة أخرى معها، أما الأعمال المستحبة فمنها ما نطلق عليها(العبادات) ومنها ما نطلق عليها(الأعمال) وهناك نسبة منطقية بين هذين الأمرين، فإن الأعمال تشمل العبادات ولا عكس، فلا يصح أن تعبّر عن العمل بالعبادة مطلقاً إلا مع وجود قرينة تصرف الذهن إلى المعنى المراد، هذا على اعتبار، وعلى اعتبار آخر مرهون بالملاحَظة الخاصة به والنظرة الخاصة إليه، فقد تتغير تلك النسبة المنطقية من نسبة العموم والخصوص مطلقاً إلى نسبة العموم والخصوص من وجه.
فعلى الإعتبار الأول: يمكن أن نقول:كل عبادة عمل، وليس كل عمل عبادة: وهذا صحيح.
وعلى الإعتبار الثاني: يمكن لنا أن نقول:بعض الأعمال عبادات، وبعضها ليس عبادة، وبعض العبادات أعمال، وبعضها ليس بعمل.
ولكي يتضح لدينا هذا الأمر أو تلك النسبة لا بد من ضرب مثال توضيحي، وهذا ما يسهّل علينا فهم حقيقة الدعاء، أو حقيقة العبادات والأعمال المستحبة.
فالدعاء: يمكن أن نسميه(عبادة) كما يمكن أن نطلق عليه(العمل)، وكذا الصدقة، أما العمل الشريف الذي يخلو من نية القربة فإننا نسميه(عمل) يُؤجر عليه فاعله إن شاء الله، ولا نسميه عبادة، لأن العبادة تتقوم بالنية وإن لم تكن واجبة.
وموضوعنا الأساسي من هذا البحث هو الكشف عن الدعاء الذي كان عبادة مستحبة لأنه لا يمكن أن يكون مقبولاً ومثمراً إلا بالنية، وإلا فهو لقلقة لسان ليس أكثر، والذي أريد أن أصل إليه من خلال هذه المقدمة هو أن الدعاء عبادة لله تعالى وإن كان أمراً مستحباً، وقد استفاضت الروايات الواصفة للدعاء بالعبادة كقوله(ص):الدعاء مخ العبادة:
الشيخ علي فقيه



